مملكة إسرائيل القديمة اسم يُطلق في الأدبيات التاريخية والتوراتية على واحد من كيانين سياسيين متعاقبين نشآ في بلاد الشام الجنوبية (المعروفة تاريخيًا باسم كنعان ثم فلسطين): المملكة الموحدة التي ذكرها العهد القديم تحت حكم الملوك شاؤول وداود وسليمان، أو المملكة الشمالية التي نشأت بعد انقسام تلك المملكة الموحدة وضمت أراضي عشرة من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، واستمرت حتى سقوطها على يد الإمبراطورية الآشورية الحديثة. ووفقًا للتقديرات الزمنية التي يرجّحها الباحثون بالمقارنة بين النصوص التوراتية والمصادر من خارج التوراة، تعود المملكة الموحدة إلى الفترة الممتدة تقريبًا بين ١٠٢٠ و٩٢٢ قبل الميلاد، وإن كان بعض الباحثين يشككون في تاريخية هذا الكيان بالصورة التي وصفتها النصوص الدينية، بسبب اختلاف تأويلات النصوص ذات الصلة. أما المملكة الشمالية، التي اتخذت من مدينة السامرة عاصمة لها بعد انقسام المملكة الموحدة، فقد استمرت من نحو عام ٩٢٢ قبل الميلاد حتى هزيمتها وسبي سكانها على يد الآشوريين عام ٧٢٢/٧٢١ قبل الميلاد.
| معلومات عامة | |
| الفترة الزمنية (المملكة الموحدة) | نحو ١٠٢٠ – ٩٢٢ ق.م (تقديري ومتنازع عليه أكاديميًا) |
| الفترة الزمنية (المملكة الشمالية) | نحو ٩٢٢ – ٧٢٢/٧٢١ ق.م |
| الموقع الجغرافي | جنوب بلاد الشام، بين نهر الأردن والساحل الشرقي للبحر المتوسط |
| نظام الحكم | ملكية وراثية دينية مطلقة |
| العواصم | |
| عاصمة المملكة الموحدة | أورشليم (القدس) |
| عاصمة المملكة الشمالية | شكيم ثم ترصة ثم السامرة |
| أبرز الملوك | |
| ملوك المملكة الموحدة | شاؤول، داود، سليمان |
| ملوك بارزون في المملكة الشمالية | يربعام الأول، عمري، أخآب، ياهو |
| الديانة | |
| المعتقد السائد | توحيد وحداني ناشئ (Henotheism) يركّز على الإله يهوه، مع استمرار عبادات محلية أخرى |
| السقوط | |
| القوة الغازية | الإمبراطورية الآشورية الحديثة بقيادة سرجون الثاني |
| النتيجة | سقوط السامرة وسبي جزء كبير من السكان (أصل رواية “الأسباط العشرة الضائعة”) |
المصادر التاريخية: بين النص التوراتي والأدلة خارج النص الديني
يعتمد الباحثون في إعادة بناء تاريخ إسرائيل القديمة على ثلاثة أنواع رئيسية من المصادر: التنقيبات الأثرية، والعهد القديم (التوراة العبرية)، والنصوص التاريخية غير الدينية المكتشفة خارج النص التوراتي. ويُعد أقدم ذكر معروف لكيان يحمل اسم “إسرائيل” خارج النص الديني هو ما ورد في مسلّة الفرعون المصري مرنبتاح، المؤرخة بين ١٢١٣ و١٢٠٣ قبل الميلاد تقريبًا، والتي تفيد بأن “إسرائيل قد دُمرت ولم يعد لها نسل”، في سياق احتفال الفرعون بانتصاره على الليبيين وحلفائهم. ويظل تفسير هذه الإشارة موضع نقاش علمي واسع، إذ لا إجماع بين الباحثين حول ما إذا كانت تشير إلى شعب أم إلى كيان سياسي منظم بمعنى المملكة. وبحلول نحو عام ١٠٨٠ قبل الميلاد، تشير الأدلة إلى أن بني إسرائيل كانوا قد أسسوا نظام ملكي في المنطقة، بعد أن ورثوا تراثًا حضاريًا سبقهم بنحو ألفي عام من التطور الحضاري في بلاد الرافدين ومصر.
المملكة الموحدة: شاؤول وداود وسليمان
وفقًا للرواية التوراتية، تشكلت المملكة الموحدة حين اتحدت أسباط بني إسرائيل الاثنا عشر، التي كانت تعيش سابقًا في نظام اتحادي فضفاض تحت قيادة “قضاة” مؤقتين، تحت حكم ملك واحد بسبب تهديدات خارجية متصاعدة، أبرزها من الفلسطينيين. وقد مسح النبي صموئيل شاؤول من سبط بنيامين ليكون أول ملك على هذا الكيان الموحد، قبل أن يخلفه داود الذي نجح في تثبيت دعائم ملكية إسرائيلية موحدة وقوية، واتخذ من مدينة أورشليم الكنعانية عاصمة لملكه، ويُقال إنه نقل إليها تابوت العهد، وهو ما منح المدينة مكانة سياسية ودينية مركزية استثنائية في آن واحد. وقد عُهد إلى ابنه سليمان ببناء الهيكل الأول احتضانًا لتابوت العهد، وارتبط عهده في الرواية التوراتية بأوج العظمة الإسرائيلية، إذ عقد معاهدات مع ممالك مجاورة مثل صور ومصر وسبأ، ورعى مشاريع بناء ضخمة حوّلت أورشليم إلى مدينة أبهة وثراء. غير أن الباحثين يشيرون إلى أن النص التوراتي نفسه يسجّل في الوقت ذاته صعوبات اقتصادية أفضت إلى تنازل سليمان عن مدن للفينيقيين، وسياسات فرض عمل إجباري (سُخرة) أسهمت لاحقًا في انفصال يهوذا عن المملكة بعد وفاته.
الانقسام: نشأة المملكتين الشمالية والجنوبية
عقب وفاة سليمان، انقسمت المملكة الموحدة إلى كيانين منفصلين: مملكة إسرائيل في الشمال، التي ضمت عشرة من الأسباط الاثني عشر واتخذت من السامرة عاصمة لها في نهاية المطاف، ومملكة يهوذا في الجنوب التي بقيت موالية للسلالة الداودية واحتفظت بأورشليم عاصمة لها. ونشأ هذا الانقسام، وفق الرواية التوراتية، إثر رفض رحبعام بن سليمان تخفيف الأعباء الضريبية وأعباء العمل القسري التي فرضها والده على الأسباط الشمالية، وهو ما دفعها إلى الثورة والانضواء تحت قيادة يربعام الأول الذي كان مسؤولًا سابقًا رفيعًا في عهد سليمان قبل أن يفرّ منه إلى مصر. وقد أقام يربعام الأول موضعي عبادة بديلين في دان وبيت إيل خشية عودة أتباعه إلى أورشليم للتعبد، وهي خطوة اعتبرتها الرواية التوراتية اللاحقة، التي كتبها في معظمها كتبة موالون ليهوذا، انحرافًا دينيًا خطيرًا عن العبادة المركزية الصحيحة.
المملكة الشمالية في أوج قوتها: أسرة عمري وأسرة ياهو
شهدت مملكة إسرائيل الشمالية ازدهارًا ملحوظًا في عهدي الملكين عمري وأخآب، إذ تشير الأدلة الأثرية والنصوص التوراتية إلى أن المملكة بلغت خلال هذه الفترة مكانة عسكرية وسياسية بارزة على المستوى الإقليمي. ويكشف نقش الملك الآشوري شلمنصر الثالث أن أخآب استطاع حشد قوة عسكرية ضخمة ضده بلغت وفق ذلك النقش أكثر من ألفي مركبة حربية وعشرة آلاف جندي مشاة، وإن كانت الدراسات الحديثة تتعامل مع هذه الأرقام بتحفظ منهجي بوصفها مبالغة دعائية محتملة. وقد أشارت النصوص الآشورية اللاحقة، في عهود الملوك أداد نيراري الثالث وتغلث فلاسر الثالث وشلمنصر الخامس وسرجون الثاني، إلى مملكة إسرائيل باستمرار باسم “بيت عُمري”، في دلالة إما على استمرار شهرة تلك السلالة أو على استخدام آشوري تقليدي للتسمية بوصفها اسمًا عامًا للإقليم أو لسكانه. لكن هذا الازدهار لم يخلُ من اضطراب سياسي داخلي متكرر، إذ اتسمت المملكة الشمالية بتغيّرات متكررة في السلالات الحاكمة نتيجة انقلابات داخلية متعاقبة، على النقيض من استمرار السلالة الداودية دون انقطاع في مملكة يهوذا الجنوبية طوال تاريخها.
السقوط على يد الإمبراطورية الآشورية
مع تصاعد قوة الإمبراطورية الآشورية الحديثة في القرن الثامن قبل الميلاد، أصبحت مملكة إسرائيل الشمالية عرضة لضغط متزايد، فدفعت الجزية للآشوريين ابتداءً من نحو عام ٨٤١ قبل الميلاد. وفي عام ٧٢٢ قبل الميلاد، سقطت عاصمتها السامرة نهائيًا في يد الملك الآشوري سرجون الثاني، وطُبّقت عليها السياسة الآشورية التقليدية في التعامل مع الشعوب المهزومة القائمة على السبي الجماعي وإعادة التوطين القسري، وهو ما أدى إلى تشتت جزء كبير من سكان المملكة الشمالية في أرجاء الإمبراطورية الآشورية، ونشأت عن ذلك لاحقًا الرواية التاريخية والدينية المعروفة باسم “الأسباط العشرة الضائعة”. وهكذا انتهى الوجود السياسي المستقل لمملكة إسرائيل الشمالية بشكل نهائي، وأُلحقت أراضيها بالنظام الإداري الآشوري المباشر، بينما استمرت مملكة يهوذا الجنوبية، رغم خضوعها التبعي الواسع للنفوذ الآشوري، في الحفاظ على هويتها السياسية المستقلة لأكثر من قرن آخر، قبل أن تسقط بدورها لاحقًا في يد الإمبراطورية البابلية.
الدين والمجتمع في المملكة
لم يكن النظام الديني في مملكة إسرائيل القديمة، في مراحلها المبكرة على الأقل، توحيديًا صرفًا بالمعنى الذي عُرفت به اليهودية اللاحقة، بل اتسم بطابع توحيد وحداني ناشئ يقوم على الاعتراف بوجود آلهة متعددة مع التركيز على إله واحد أساسي هو يهوه، الذي رسّخ الملوك شاؤول وداود بصورة خاصة مكانته المركزية في العبادة الرسمية. وتشير الأدلة النصية والأثرية إلى استمرار عبادة آلهة أخرى إلى جانب يهوه في أوساط شعبية واسعة، من بينها الإلهة الكنعانية عشيرة والإله الفينيقي بعل، وهو ما دفع عددًا من الأنبياء اللاحقين مثل عاموس وهوشع إلى انتقاد هذه الممارسات بشدة والدعوة إلى عبادة يهوه وحده. ولم يتبلور التوحيد الصارم الذي عُرفت به اليهودية لاحقًا إلا في مرحلة تالية، بعد سقوط مملكة يهوذا وتجربة السبي البابلي، حين اضطر الكهنة إلى إعادة صياغة تفسير لاهوتي شامل لمصير شعبهم.
ملاحظة تاريخية-نگارية: التمييز بين المملكة القديمة والدولة الحديثة
من الناحية التاريخية-النگارية المحضة، تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين مملكة إسرائيل القديمة، بوصفها كيانًا سياسيًا اندثر قبل أكثر من ألفي عام، ودولة إسرائيل الحديثة التي أُعلن قيامها عام ١٩٤٨م بقرار من الأمم المتحدة، تظل مسألة خلافية ومثار جدل علمي وسياسي مستمر بين الباحثين والمؤرخين حتى اليوم، ولا تندرج مناقشتها ضمن نطاق هذا المقال التاريخي المتخصص في الحقبة القديمة تحديدًا.
الأهمية التاريخية والإرث
تحتل مملكة إسرائيل القديمة، بشقّيها الموحد والشمالي، مكانة استثنائية في تاريخ الفكر الديني والحضاري العالمي تتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والسياسي المحدود نسبيًا مقارنة بالإمبراطوريات الكبرى المحيطة بها كمصر وآشور وبابل. فمن الناحية الدينية، شكّلت هذه المملكة، ولا سيما في مرحلتها التأسيسية تحت شاؤول وداود، الإطار السياسي الذي تبلور داخله لاحقًا التراث التوحيدي الذي أصبح أساسًا لليهودية، ومن بعدها أثّر بعمق في نشأة المسيحية والإسلام، وهي الديانات الإبراهيمية الثلاث التي شكّلت وجدان مليارات البشر عبر التاريخ. ومن الناحية التاريخية-النصية، ظلت الرواية المتعلقة بهذه المملكة، رغم الجدل الأكاديمي المستمر حول درجة تاريخيتها الدقيقة ومصداقية تفاصيلها، مصدرًا مركزيًا شكّل الهوية الجمعية اليهودية عبر قرون من الشتات اللاحق. أما من الناحية الأثرية والعلمية، فقد تحوّلت مملكة إسرائيل، وموضوع العلاقة بين نصوصها الدينية وأدلتها المادية الملموسة، إلى أحد أخصب حقول البحث في علم الآثار التوراتي المعاصر، حيث لا يزال الجدل قائمًا بين المدرستين “التقليدية” التي تميل إلى الثقة بالرواية التوراتية والمدرسة “التقليلية” الأكثر تشككًا التي تعتمد بصورة صارمة على الأدلة المادية المستقلة وحدها، في نقاش علمي حي يعكس ثراء هذا الحقل المعرفي وتعقيده.