الثورة الأمريكية هي الحركة السياسية والعسكرية التي خاضتها ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية بين عامي 1765م و1783م تقريباً، وأفضت إلى انفصالها عن التاج البريطاني وتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مستقلة ذات سيادة، في أول حالة ناجحة على نطاق واسع لمستعمرة استيطانية أوروبية تحرر نفسها من دولتها الأم عبر ثورة مسلحة منظمة. وقد تجذرت أسباب هذه الثورة في تراكم طويل من التوترات السياسية والاقتصادية بين المستعمرات وبرلمان لندن، والتي تصاعدت بشكل حاد عقب فرض سلسلة من الضرائب البريطانية المباشرة على المستعمرات لتغطية نفقات الحرب الفرنسية الهندية، دون أن يكون لهذه المستعمرات أي تمثيل نيابي في البرلمان البريطاني الذي أقر هذه الضرائب، وهو ما تُوّج في شعار “لا ضرائب دون تمثيل” الذي أصبح صرخة جامعة للحركة الاحتجاجية الأمريكية المتصاعدة. وقد تحولت هذه الاحتجاجات السياسية والاقتصادية تدريجياً، عبر محطات فارقة كحادثة حفلة شاي بوسطن عام 1773م والقوانين البريطانية القمعية التي أعقبتها، إلى مواجهة مسلحة مباشرة اندلعت في معركتي ليكسينغتون وكونكورد في أبريل عام 1775م، قبل أن يعلن المؤتمر القاري الثاني رسمياً استقلال المستعمرات عن بريطانيا في الرابع من يوليو عام 1776م عبر وثيقة “إعلان الاستقلال” الشهيرة التي صاغها توماس جيفرسون، والتي استندت في تسويغها الفلسفي إلى نظرية الحقوق الطبيعية التي طورها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وقد استمرت الحرب العسكرية الفعلية بين الجيش القاري الأمريكي بقيادة جورج واشنطن والقوات البريطانية حتى عام 1781م، حين تكبدت بريطانيا هزيمة حاسمة في معركة يorktown بفضل تحالف عسكري حاسم مع فرنسا، لتنتهي الحرب رسمياً بتوقيع معاهدة باريس عام 1783م التي اعترفت فيها بريطانيا باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية الكامل.
| معلومات عامة | |
| التسمية | الثورة الأمريكية / حرب الاستقلال الأمريكية |
| الفترة الزمنية | 1765م – 1783م (المرحلة العسكرية: 1775 – 1783) |
| النطاق الجغرافي | المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية |
| محطات تأسيسية | |
| قانون الطوابع | 1765م |
| حفلة شاي بوسطن | 16 ديسمبر 1773م |
| معركتا ليكسينغتون وكونكورد | 19 أبريل 1775م |
| إعلان الاستقلال | 4 يوليو 1776م |
| التحالف الفرنسي الأمريكي | فبراير 1778م |
| معركة يوركتاون الحاسمة | 19 أكتوبر 1781م |
| معاهدة باريس | 3 سبتمبر 1783م |
| أبرز الشخصيات | |
| القيادة العسكرية والسياسية | جورج واشنطن، توماس جيفرسون، بنجامين فرانكلين |
| المرجعية الفكرية | جون لوك، توماس بين |
| الحليف الأجنبي الرئيسي | مملكة فرنسا |
الجذور والأسباب: الضرائب البريطانية والاحتجاج المستعمراتي
تعود جذور التوتر بين المستعمرات الأمريكية وحكومة لندن إلى أعقاب الحرب الفرنسية الهندية التي انتهت عام 1763م، إذ سعت الحكومة البريطانية، المثقلة بديون حربية هائلة، إلى فرض سلسلة من الضرائب المباشرة على المستعمرات لتغطية جزء من تكاليف الدفاع عنها، بدءاً بقانون الطوابع لعام 1765م الذي فرض رسوماً على كل المستندات المطبوعة والتراخيص والسلع المتداولة في المستعمرات. وقد أثار هذا القانون غضباً واسعاً في المستعمرات، إذ رفض المستعمرون مبدأ فرض ضرائب عليهم من قبل برلمان لا يملكون فيه أي تمثيل نيابي مباشر، وهو ما عبّر عنه شعار “لا ضرائب دون تمثيل” الذي أصبح راية جامعة للاحتجاج، ودفع بمندوبين من تسع مستعمرات إلى الاجتماع في “مؤتمر قانون الطوابع” لتقديم عرائض احتجاجية مشتركة إلى الحكومة البريطانية، في أول تجربة تنسيق سياسي جماعي بين المستعمرات المتفرقة. ورغم إلغاء بريطانيا لقانون الطوابع عام 1766م، فإنها أقرت في الوقت ذاته “قانون التصريح” الذي أكد صراحة حق البرلمان في التشريع للمستعمرات “في كل الحالات أياً كانت”، ثم أعقبت ذلك بفرض ضرائب جمركية جديدة على الزجاج والرصاص والورق والشاي عبر قوانين تاونزند لعام 1767م، وهي سياسة استمرت في تأجيج التوتر المتصاعد بين الطرفين طوال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الثامن عشر.
حفلة شاي بوسطن والقوانين القمعية
بلغ التوتر ذروته الرمزية الأبرز في السادس عشر من ديسمبر عام 1773م، حين تسلل مجموعة من ستين ناشطاً من مجموعة “أبناء الحرية” المتنكرين بزي السكان الأصليين إلى سفن تابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية الراسية في ميناء بوسطن، وألقوا بما يزيد على ثلاثمئة واثنتين وأربعين صندوقاً من الشاي في مياه الميناء احتجاجاً على قانون الشاي الجديد الذي منح الشركة احتكاراً تفضيلياً لبيع الشاي في المستعمرات، في حادثة عُرفت لاحقاً باسم “حفلة شاي بوسطن”. وقد ردت الحكومة البريطانية على هذا التحدي المباشر بإصدار سلسلة من القوانين العقابية الصارمة عام 1774م، عُرفت في المستعمرات بـ”القوانين اللاطاقة لها”، شملت إغلاق ميناء بوسطن التجاري بالكامل حتى يُدفع تعويض عن الشاي المتلف، وتقييد صلاحيات الحكم الذاتي لمستعمرة ماساتشوستس بشكل جذري. وقد دفعت هذه الإجراءات القمعية اثنتي عشرة مستعمرة، باستثناء جورجيا فقط، إلى إرسال مندوبين للاجتماع في فيلادلفيا في سبتمبر عام 1774م فيما عُرف بـ”المؤتمر القاري الأول”، الذي أصدر وثيقة “الإعلان والقرارات” المنددة بالقوانين البريطانية والداعية لإلغائها، مع تنظيم حملة مقاطعة اقتصادية شاملة للبضائع البريطانية، دون أن يصل بعد إلى المطالبة الصريحة بالانفصال الكامل عن التاج البريطاني.
اندلاع القتال: ليكسينغتون وكونكورد
تحولت هذه المواجهة السياسية المتصاعدة إلى صدام عسكري مباشر في التاسع عشر من أبريل عام 1775م، حين قاد الجنرال البريطاني توماس غيج قوة من الجنود من بوسطن باتجاه بلدة ليكسينغتون بهدف اعتقال زعيمي المقاومة الراديكاليين صمويل آدامز وجون هانكوك، ثم التوجه إلى كونكورد للاستيلاء على مخزون بارود المستعمرين، غير أن جواسيس أمريكيين ترصدوا هذه الخطة، وانتشر التحذير عبر فرسان مثل بول ريفير، مما أتاح للميليشيات المحلية الاستعداد لمواجهة القوات البريطانية. وقد وقع أول تبادل لإطلاق النار بين الطرفين في ساحة بلدة ليكسينغتون، فيما نجحت الميليشيات في وقف تقدم القوات البريطانية عند كونكورد ثم مطاردتها أثناء انسحابها نحو بوسطن، في مواجهات وُصفت لاحقاً بأنها “الطلقة التي سُمعت في أنحاء العالم”، إيذاناً ببدء الحرب الثورية الفعلية. وقد اجتمع عقب هذه الأحداث مباشرة المؤتمر القاري الثاني في فيلادلفيا في مايو عام 1775م، الذي تولى مهمة تنسيق المجهود الحربي وتشكيل حكومة موحدة فعلية للمستعمرات المتمردة، وعيّن جورج واشنطن قائداً عاماً لجيش قاري موحد حديث التشكيل يعاني نقصاً حاداً في العتاد والتمويل، بينما تبنى المؤتمر في يوليو من العام ذاته “عريضة غصن الزيتون” الموجهة للملك جورج الثالث، معبراً فيها عن استمرار الولاء للتاج ورغبته في تسوية سلمية للنزاع، غير أن الملك رفض حتى قراءتها، معلناً بدلاً من ذلك أن المستعمرات في حالة تمرد مفتوح.
كتيب “الحس المشترك” وإعلان الاستقلال
لعب الكاتب الإنجليزي المهاجر توماس بين دوراً محورياً في تحويل الرأي العام الأمريكي من مجرد المطالبة بالإصلاح ضمن الإطار الإمبراطوري البريطاني إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال الكامل، وذلك عبر كتيبه الشهير “الحس المشترك” الذي نُشر في يناير عام 1776م، والذي هاجم فيه مبدأ الحكم الملكي بوصفه مناقضاً لمبادئ المساواة الطبيعية بين البشر، وطرح رؤية جريئة لتأسيس نظام حكم جمهوري جديد قائم على سيادة الشعب. وقد لاقى هذا الكتيب رواجاً هائلاً غير مسبوق، إذ بيع منه ما يقارب نصف مليون نسخة، وطُبع في خمس وعشرين طبعة خلال عام واحد فقط، مما مارس ضغطاً شعبياً هائلاً على قيادات المؤتمر القاري للتحرك نحو إعلان الاستقلال الرسمي. وقد استجاب المؤتمر القاري الثاني لهذا الزخم المتصاعد، فكلّف لجنة من خمسة أعضاء، تولى توماس جيفرسون مهمة الصياغة الرئيسية فيها، بإعداد وثيقة رسمية لإعلان الاستقلال، والتي اعتمدها المؤتمر رسمياً في الرابع من يوليو عام 1776م، مستندة في تسويغها الفلسفي إلى نظرية “الحقوق الطبيعية” التي طورها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في القرن السابع عشر، والقاضية بأن لكل إنسان حقوقاً أصيلة في الحياة والحرية والملكية سابقة على وجود أي حكومة، وأن أي سلطة سياسية تنتهك هذه الحقوق تفقد شرعيتها ويحق للشعب الثورة عليها.
نحن نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية: أن جميع البشر خُلقوا متساوين، وأن خالقهم قد وهبهم حقوقاً معينة غير قابلة للتصرف، من بينها الحياة والحرية والسعي إلى السعادة.
— إعلان الاستقلال الأمريكي، 4 يوليو 1776
مسار الحرب: من نيويورك إلى ساراتوغا
شهدت المرحلة الأولى من الحرب الثورية سلسلة انتكاسات عسكرية قاسية للجيش القاري الأمريكي الفتي، إذ نزل الجنرال البريطاني ويليام هاو بقوة قوامها اثنان وعشرون ألف جندي في نيويورك عام 1776م، مضطراً جورج واشنطن للتراجع تدريجياً عبر ولاية بنسلفانيا في ظروف بالغة القسوة، فيما ظلت مدينة نيويورك تحت الاحتلال البريطاني حتى نهاية الحرب. غير أن مجرى الحرب تغير بشكل حاسم عقب الانتصار الأمريكي الكبير في معركة ساراتوغا عام 1777م، الذي أقنع فرنسا بالانضمام رسمياً للحرب حليفاً علنياً للولايات المتحدة الوليدة عبر معاهدة تحالف وقّعت في فبراير عام 1778م، بعد سنوات من الدعم الفرنسي السري الذي شمل توريد كميات هائلة من البارود والأسلحة والذخائر للثوار الأمريكيين منذ عام 1776م. وقد حوّل هذا التحالف الفرنسي الأمريكي طبيعة الحرب من نزاع محلي إلى مواجهة دولية أوسع نطاقاً، إذ التزمت فرنسا بتقديم دعم مالي واسع بملايين الليفرات فضلاً عن نشر ثلاث وستين سفينة حربية واثني عشر ألف جندي، فيما انضمت إسبانيا لاحقاً بدورها إلى جانب الحلفاء ضد بريطانيا، مما أرغم القوات البريطانية على توزيع مواردها العسكرية عبر جبهات متعددة حول العالم.
معركة يوركتاون ومعاهدة باريس
تحقق الانتصار الحاسم الذي أنهى فعلياً الحرب الثورية في معركة يوركتاون بولاية فرجينيا، حين نجحت القوات الأمريكية والفرنسية المشتركة، بقيادة جورج واشنطن والكونت دو روشامبو، في محاصرة الجيش البريطاني بقيادة الجنرال تشارلز كورنواليس على شبه جزيرة يوركتاون، بينما منع الأسطول الفرنسي بقيادة الكونت دو غراس أي تعزيزات أو إمدادات بحرية بريطانية من الوصول، مما اضطر كورنواليس إلى الاستسلام رسمياً في التاسع عشر من أكتوبر عام 1781م، مستسلماً بسبعة آلاف جندي بريطاني. ورغم أن القوات البريطانية ظلت متمركزة في مدينتي نيويورك وتشارلستون لمدة عامين إضافيين، فإن هزيمة يوركتاون أقنعت الحكومة البريطانية بأن استمرار الحرب بات غير مجدٍ عسكرياً واقتصادياً، فبدأت مفاوضات سلام مباشرة تُوّجت بتوقيع معاهدة باريس في الثالث من سبتمبر عام 1783م، والتي تفاوض عليها الوفد الأمريكي المكوّن من بنجامين فرانكلين وجون آدامز وجون جاي، واعترفت رسمياً باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية الكامل، ومنحتها أراضي واسعة تمتد غرباً حتى نهر المسيسبي، فضلاً عن حقوق صيد في مياه نيوفاوندلاند.
لدينا في متناول أيدينا القدرة على إعادة بناء العالم من جديد.
— توماس بين، كتيب “الحس المشترك”، 1776
الأهمية التاريخية والإرث الفكري
تجاوز أثر الثورة الأمريكية حدود القارة الأمريكية الشمالية ليصبح مصدر إلهام فكري وسياسي عالمي واسع النطاق، إذ شكّلت المبادئ التي تبنتها الثورة، من الحقوق الطبيعية غير القابلة للتصرف إلى مبدأ سيادة الشعب ورفض الحكم الملكي المطلق، أساساً فلسفياً استلهمته لاحقاً حركات ثورية أخرى، وعلى رأسها الثورة الفرنسية التي اندلعت بعد ست سنوات فقط من انتهاء الحرب الأمريكية، والتي شارك فيها بعض قادة الثورة الأمريكية أنفسهم، كالماركيز دو لافاييت الذي عاد إلى فرنسا حاملاً معه حماسة الأفكار الثورية الجديدة. وقد أرست الثورة الأمريكية أيضاً نموذجاً مؤسسياً جديداً للحكم الجمهوري الدستوري القائم على الفصل بين السلطات والانتخاب الدوري، تجسد لاحقاً في دستور الولايات المتحدة الذي أُقر عام 1787م، وأصبح مرجعية يُحتذى بها في صياغة أنظمة حكم دستورية عديدة حول العالم عبر القرنين التاسع عشر والعشرين. ومع ذلك، يشير مؤرخون إلى أن المبادئ المساواتية التي أعلنتها الثورة لم تُطبَّق بشكل كامل ومتسق منذ البداية، إذ استمر نظام الرق قائماً في الولايات الجنوبية لعقود طويلة عقب الاستقلال رغم تناقضه الصارخ مع شعارات “الحرية” و”المساواة” التي رفعتها الثورة نفسها، وهو تناقض ظل محل جدل تاريخي وأخلاقي عميق شكّل لاحقاً أحد أهم محاور الصراع السياسي الأمريكي حتى اندلاع الحرب الأهلية بعد نحو ثمانين عاماً من الاستقلال.