معلومات عامة
الفترة الزمنية 1127 – 1250م (فرع الموصل حتى 1234/1250م)
الأصل العرقي تركي (أوغوز)، تابعة اسميًا للسلاجقة
المؤسس عماد الدين زنكي
أهم المراكز الموصل، حلب، دمشق
أبرز إنجاز استعادة الرها من الصليبيين (1144)
محطات زمنية كبرى
تولي زنكي إمارة الموصل 1127م
استرداد الرها 24 ديسمبر 1144م
اغتيال زنكي وتقسيم الدولة سبتمبر 1146م
ضم نور الدين لدمشق 1154م
وفاة نور الدين 15 مايو 1174م
COSMALORE · الموسوعة العربية

الدولة الزنكية أسرة حاكمة تركية تابعة اسميًا للسلاجقة، حكمت شمال العراق (الجزيرة) وأجزاء واسعة من الشام بين عامي 1127 و1222م، وامتد وجودها في فرعها الموصلي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أسّسها عماد الدين زنكي، الذي عُرف بكونه أول قائد مسلم يوجّه ضربات مضادة جدية للممالك الصليبية التي أُقيمت في المشرق عقب الحملة الصليبية الأولى. وقد واصل ابنه نور الدين محمود هذا المسار، فوحّد أجزاء واسعة من الشام تحت رايته، ومهّد الطريق أمام قائده صلاح الدين الأيوبي ليؤسس لاحقًا دولته الخاصة التي أكملت مسيرة مواجهة الصليبيين.

أولاً: عماد الدين زنكي وتأسيس الإمارة

وُلد عماد الدين زنكي عام 1084م، وفرّ إلى الموصل بعد مقتل والده والي حلب عام 1094م، ثم انخرط في خدمة السلاجقة، حتى عيّنه السلطان السلجوقي محمود الثاني واليًا على البصرة عام 1126م. وحين تمرد الخليفة العباسي المسترشد على السلطان عام 1127م، ساند زنكي جانب السلطان، فكافأه محمود الثاني بعد انتصاره بولاية الموصل، لتصبح هذه المدينة قاعدة انطلاقه الرئيسية. وسرعان ما بسط زنكي نفوذه على مساحة جغرافية واسعة، إذ خضعت له مدينة حلب المهمة عام 1128م بعد أن انتزعها من الأمراء الأرتقيين المتنازعين على حكمها، طلبًا لحمايته العسكرية من احتمال غزو الصليبيين لها. وقد رأى زنكي نفسه مدافعًا عن الإسلام في وجه الصليبيين، متجاوزًا في سبيل تحقيق هذا الهدف حتى الأمراء المسلمين الرافضين لسلطته، الذين قابلهم بالحزم نفسه الذي واجه به الصليبيين، مستخدمًا الدبلوماسية والخديعة والحرب على حد سواء لتوسيع نفوذه تدريجيًا.

ثانياً: سقوط الرها وأثره على الحملة الصليبية الثانية

كان هدف زنكي الأبعد السيطرة على دمشق، وهو هدف لم يتحقق له قط، غير أنه حقق إنجازًا أعظم أثرًا حين استولى عام 1144م على إمارة الرها الصليبية، أول الإمارات الصليبية التي تأسست في المشرق. فبعد أن علم زنكي أن الكونت جوسلين، حاكم الرها، غادر المدينة بمعظم جيشه للتدخل في نزاع بين أمراء سلجوقيين، تحرك بجيش كبير نحوها، وضرب عليها حصارًا استمر من الثامن والعشرين من نوفمبر حتى الرابع والعشرين من ديسمبر 1144م، حين انهار جزء من أسوارها في نفق محفور تحتها، فاقتحمتها قواته. وقد رسّخ هذا الانتصار مكانة زنكي بوصفه القائد الأول للمسلمين في الأرض المقدسة، وهو اللقب الذي سيرثه بعده ابنه نور الدين ثم صلاح الدين من بعده. وحين وصل نبأ سقوط الرها إلى روما، أطلق البابا أوجين الثالث دعوته لتنظيم الحملة الصليبية الثانية، التي انطلقت بين عامي 1147 و1149م، لكنها لم تسترد الرها ولم تحقق أهدافها في المشرق.

ثالثاً: اغتيال زنكي وتقسيم الدولة

لم يتمكن زنكي من استثمار انتصاره في الرها طويلًا؛ إذ اضطر للعودة سريعًا إلى العراق لقمع تمرد داخلي هناك، وفي سبتمبر 1146م اغتاله أحد خدمه إثر خصومة شخصية بينهما. وقد أدى مقتله إلى تقسيم ممتلكاته بين ولديه، فآلت الموصل وأملاكه العراقية إلى ابنه الأكبر سيف الدين غازي الأول، بينما آلت حلب والرها إلى ابنه الثاني نور الدين محمود، الذي حمل لقب “أتابك” حلب.

لم يكن نور الدين يبتغي بجهاده إلا وجه الله، فأنفق غنائمه على المساجد والمدارس والبيمارستانات دون أن يستأثر لنفسه بشيء منها.
— وصف مأثور لسيرة نور الدين محمود في المصادر التاريخية الإسلامية

رابعاً: نور الدين محمود وتوحيد الشام

أثبت نور الدين محمود كفاءة سياسية وعسكرية لا تقل عن كفاءة والده؛ إذ خاض حملات عسكرية متواصلة ضد الصليبيين سعيًا لطردهم من الشام وفلسطين، مستفيدًا من الانقسام الذي كان قد أضعف موقف الحكام المسلمين سابقًا في مواجهتهم. وفي عام 1146م نفسه، حين حاول الصليبيون استعادة الرها بعملية مباغتة، تصدى لهم نور الدين وأخضع المدينة نهائيًا، فهُدمت أسوارها لضمان عدم استعادتها مرة أخرى، لتنتهي بذلك أي وجود صليبي فيها بشكل نهائي. وقد توّج نور الدين مسيرته التوحيدية بضم دمشق عام 1154م، لتصبح جزءًا من دولته الموسّعة، وشكّل بذلك جبهة إسلامية واسعة وقوية في مواجهة الصليبيين، استعان فيها بقادة بارزين من أمثال صلاح الدين الأيوبي، الذي سيؤسس لاحقًا الدولة الأيوبية.

خامساً: ضم مصر وصعود صلاح الدين

لم تتوقف طموحات نور الدين عند حدود الشام؛ إذ سعى إلى إخضاع مصر الفاطمية الشيعية لسلطته، فأرسل عام 1168م حملة عسكرية بقيادة عمه شيركوه، تولى صلاح الدين الأيوبي القيادة الفعلية فيها بعد وفاة عمه، لينتهي الأمر بإخضاع مصر وضمها فعليًا إلى نفوذ نور الدين، ثم تعيين صلاح الدين واليًا عليها. وقد عُرف نور الدين، إلى جانب براعته العسكرية، بورعه الشخصي وزهده، إذ تخلى عن استئثاره بغنائم فتوحاته، ووظّفها بدلًا من ذلك في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات ومحطات القوافل، من أبرزها البيمارستان النوري في دمشق الذي أسسه عام 1154م، والمدرسة النورية التي جمعت بين المسجد والمدرسة وضريحه الخاص.

سادساً: وفاة نور الدين وانتقال السلطة إلى صلاح الدين

كان نور الدين يستعد لغزو مصر بنفسه لكبح جماح صلاح الدين، الذي بدأ يتصرف بقدر متزايد من الاستقلالية، حين وافته المنية فجأة عام 1174م، فحكم الشام حينها في مقتبل عمره ابنه الصالح إسماعيل، الذي اضطر إلى الفرار نحو حلب. وبحلول عام 1181م، إثر مقتله واستبداله بقريب له من فرع الموصل، استغل صلاح الدين هذه الفوضى الداخلية، فاستولى على حلب عام 1183م، لينهي بذلك الحكم الزنكي في الشام نهائيًا، ويضم أراضيه إلى دولته الأيوبية الناشئة.

سابعاً: بقاء الفرع الزنكي في الموصل

على النقيض من الفرع الشامي، صمد الفرع الزنكي في الموصل والجزيرة أمام محاولات صلاح الدين المتكررة للاستيلاء عليه، فتصدى بنجاح لمحاولتين منفصلتين لغزوها عامي 1182 و1185م، وإن اضطر في نهاية المطاف إلى قبول سيادة صلاح الدين الاسمية عليه. وقد استمر أمراء هذا الفرع في حكم الموصل حتى عام 1234م تقريبًا، قبل أن تخضع الجزيرة بأكملها لسيادة الدولة الأيوبية عام 1251م، ثم يزول آخر أثر لهذا الفرع الزنكي في الموصل نهائيًا عام 1262م على يد المغول الإلخانيين.

ثامناً: الإرث الحضاري

خلّف الزنكيون إرثًا معماريًا وفنيًا ملموسًا في المدن التي حكموها؛ فقد حصّن نور الدين قلعة حلب وأعاد بناء أسوار المدينة دفاعًا عن الصليبيين، وأضاف محرابًا خشبيًا لمسجد إبراهيم فيها، إلى جانب مبانٍ أخرى عديدة في دمشق والموصل. كما اشتُهر الزنكيون في فرعهم الموصلي برعاية “مدارس الموصل” الفنية في القرن الثالث عشر، وبخاصة في مجال أشغال المعادن، إذ أنتجت الموصل أرقى قطع التطعيم المعدني، وغالبًا ما كانت من البرونز المطعّم بالفضة، في العالم الإسلامي كله في تلك الحقبة، ونقل صنّاعها هذه التقنية لاحقًا إلى حلب ودمشق وبغداد والقاهرة وإيران، لتؤثر في صناعة المعادن في تلك المناطق لقرون تالية.

وتبقى الدولة الزنكية اليوم محطة محورية في تاريخ مواجهة العالم الإسلامي للحملات الصليبية؛ فهي التي أرست، بدءًا من عماد الدين زنكي ومرورًا بابنه نور الدين، الأساس السياسي والعسكري الذي بنى عليه صلاح الدين الأيوبي لاحقًا مسيرته الكاملة نحو استعادة القدس وإنهاء الوجود الصليبي في المشرق.