يُمثّل غزو العراق عام 2003 أحد أكثر الأحداث العسكرية والسياسية تأثيرًا في مطلع القرن الحادي والعشرين، إذ شنّت قوات ائتلافية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وبمشاركة قوات أصغر من أستراليا وبولندا، عملية عسكرية واسعة النطاق ضد جمهورية العراق في 20 مارس 2003، أفضت خلال أسابيع قليلة إلى إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وانهيار الدولة العراقية بشكلها القائم منذ عقود. جاء الغزو في أعقاب سنوات من التوتر بين بغداد والمجتمع الدولي منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وتصاعد بشكل حاد بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حين اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن العراق يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي بسبب ما وُصف بامتلاكه أسلحة دمار شامل وصلاته المزعومة بشبكات إرهابية. لم تقتصر تداعيات العملية على المرحلة العسكرية القصيرة التي أُنجزت خلالها الأهداف القتالية الكبرى بحلول الأول من مايو 2003، بل امتدت لتشمل احتلالًا طويل الأمد أشرفت عليه سلطة الائتلاف المؤقتة، وتمردًا مسلحًا متصاعدًا، وانقسامًا طائفيًا حادًا هزّ البلاد لسنوات، قبل أن تنسحب القوات الأمريكية القتالية رسميًا في عام 2010 ويُعلن عن انتهاء المهمة الأمريكية في العراق أواخر عام 2011.

معلومات عامة
الاسم الرسمي غزو العراق 2003
التسميات الأخرى حرب الخليج الثانية؛ عملية تحرير العراق (بحسب التسمية الأمريكية الرسمية)
التاريخ 20 مارس – 1 مايو 2003 (مرحلة العمليات القتالية الكبرى)
الموقع جمهورية العراق
النتيجة سقوط نظام حزب البعث وصدام حسين؛ احتلال العراق من قبل قوات التحالف حتى منتصف 2004
الأطراف المتحاربة
قوات التحالف الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، أستراليا، بولندا
الجانب العراقي جمهورية العراق (الحكومة البعثية بقيادة صدام حسين)
القادة الرئيسيون
جورج دبليو بوش الرئيس الأمريكي
توني بلير رئيس وزراء المملكة المتحدة
تومي فرانكس قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)
صدام حسين رئيس جمهورية العراق
القوى العسكرية
قوات التحالف نحو 467 ألف جندي أمريكي إضافة إلى قوات بريطانية وأسترالية وبولندية
القوات العراقية نحو 1.3 مليون عنصر بين نظاميين واحتياط، مع آلاف الدبابات والمدرعات
الخسائر
قتلى التحالف حتى 1 مايو 2003 نحو 150 قتيلًا
قتلى قوات التحالف حتى نهاية 2004 نحو 1000 قتيل أمريكي
الخسائر العراقية تقديرات متفاوتة تصل إلى مئات الآلاف من القتلى العسكريين والمدنيين خلال سنوات الصراع اللاحقة
COSMALORE · الموسوعة العربية

قرار 1441 وانهيار مسار التفتيش الدولي

تعود جذور أزمة 2003 إلى منظومة العقوبات والتفتيش التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق عقب حرب الخليج الثانية 1990-1991، والتي بدأت تتآكل تدريجيًا مع مطلع الألفية الجديدة. وفي 8 نوفمبر 2002 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1441 الذي طالب بغداد بإعادة السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالدخول والامتثال الكامل لجميع القرارات الأممية السابقة المتعلقة بنزع أسلحة الدمار الشامل. ورغم عودة فرق التفتيش إلى العراق فعليًا، أعلن الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في مطلع 2003 أن بغداد ما زالت تعرقل عمل المفتشين وتحتفظ بأسلحة محظورة، في وقت رأى فيه قادة دول أخرى، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر، أن التعاون العراقي قد تحسّن وأن مزيدًا من الوقت كفيل بإتمام عملية التفتيش سلميًا. هذا الانقسام العميق داخل مجلس الأمن حال دون صدور تفويض أممي صريح بالحرب، ودفع واشنطن ولندن إلى المضي في التصعيد خارج إطار الشرعية الأممية المباشرة، معتمدتين على تفسيرهما الخاص للقرارات السابقة كأساس قانوني للتحرك العسكري.

إنذار الثماني والأربعين ساعة وبدء العمليات القتالية

في 17 مارس 2003 أعلن الرئيس بوش انتهاء المسار الدبلوماسي رسميًا، ووجّه إنذارًا مباشرًا للرئيس صدام حسين يمهله 48 ساعة لمغادرة العراق مع نجليه تجنبًا للحرب، وهو ما رفضته بغداد قطعًا. وبعد انقضاء المهلة بنحو تسعين دقيقة، بدأت القوات الأمريكية والبريطانية في 20 مارس 2003 سلسلة من الضربات الجوية المكثفة على أهداف عسكرية وقيادية في بغداد وعدة مدن عراقية، أعقبها هجوم بري واسع انطلق من الأراضي الكويتية. تميزت هذه المرحلة باستخدام تقنيات قصف دقيقة غير مسبوقة مقارنة بحرب 1991، وباعتماد قوات خاصة أمريكية نُشرت في عمق شمال وغرب العراق بعد أن رفضت تركيا السماح للقوات البرية الأمريكية بعبور أراضيها لفتح جبهة شمالية كبرى، الأمر الذي دفع القيادة الأمريكية إلى الاعتماد على قوات البشمركة الكردية كحليف ميداني رئيسي في الشمال. وتقدمت الفرق المدرعة الأمريكية والبريطانية بسرعة لافتة نحو بغداد، مقطوعةً مسافة تجاوزت 300 ميل خلال أيام معدودة، في وقت واجهت فيه القوات العراقية انهيارًا سريعًا في قدرتها على المقاومة المنظمة رغم بعض جيوب المقاومة المتفرقة.

سقوط بغداد وانهيار الدولة العراقية

في 9 أبريل 2003 سيطرت القوات الأمريكية على العاصمة بغداد، في مشهد ترافق مع سقوط تمثال صدام حسين الشهير في ساحة الفردوس، والذي غدا رمزًا بصريًا لانهيار النظام أمام وسائل الإعلام العالمية. وفي اليوم نفسه أكملت القوات البريطانية احتلال مدينة البصرة جنوبًا، لتُعلن الإدارة الأمريكية بحلول الأول من مايو 2003 انتهاء العمليات القتالية الكبرى رسميًا. غير أن سرعة الانهيار العسكري لم تقابلها استعدادات كافية لإدارة المرحلة التالية؛ فقد شهدت بغداد وعدد من المدن العراقية موجات واسعة من الفوضى والنهب طالت المؤسسات الحكومية والمتاحف والمرافق العامة، في ظل غياب قوة شرطية أو إدارية قادرة على ملء الفراغ الذي خلّفه انهيار مؤسسات الدولة البعثية بشكل مفاجئ.

سلطة الائتلاف المؤقتة وحل مؤسسات الدولة

في 12 مايو 2003 أسست الولايات المتحدة سلطة الائتلاف المؤقتة (Coalition Provisional Authority) بوصفها الجهة الإدارية الانتقالية الحاكمة للعراق، برئاسة الدبلوماسي الأمريكي بول بريمر الثالث، الذي حدد مهمتيه الرئيسيتين في إدارة برنامج إعادة الإعمار وتمهيد الطريق نحو استعادة السيادة العراقية. غير أن قرارات بريمر المبكرة، وفي مقدمتها حل الجيش العراقي وأجهزة الأمن، وإقصاء أعضاء حزب البعث من الوظائف الحكومية بموجب سياسة اجتثاث البعث، أسهمت في تعميق الفراغ الأمني والإداري ودفعت عشرات الآلاف من العسكريين والموظفين السابقين إلى العطالة والسخط، وهو ما يُعدّه كثير من الباحثين أحد العوامل المباشرة التي غذّت التمرد المسلح لاحقًا. استمرت سلطة الائتلاف المؤقتة في إدارة البلاد حتى نقلت السيادة رسميًا في 28 يونيو 2004 إلى الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي، معلنة بذلك نهاية ولايتها المباشرة.

تصاعد التمرد والعنف الطائفي

سرعان ما تحوّل الاحتلال الأمريكي إلى مواجهة مسلحة ممتدة، إذ تصاعدت هجمات حرب العصابات ضد قوات التحالف والمؤسسات العراقية الناشئة على نحو تحوّل تدريجيًا إلى ما وصفه كثير من المراقبين بحرب أهلية طائفية، وإن تجنبت إدارة بوش استخدام هذا الوصف رسميًا مفضّلة مصطلح العنف الطائفي. وفي حين ظلت خسائر قوات التحالف محدودة نسبيًا خلال مرحلة القتال الأولى بنحو 150 قتيلًا حتى أول مايو 2003، فقد ارتفعت حصيلة القتلى الأمريكيين بشكل حاد لتصل إلى نحو ألف قتيل بحلول الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2004، ثم تجاوزت ثلاثة آلاف قتيل مطلع 2007، مع معارك خاصة الشراسة كمعركتي الفلوجة الأولى والثانية. أما الخسائر العراقية فبقيت أصعب توثيقًا بدقة، إذ قدّرت إحدى الدراسات الصادرة أواخر 2006 العدد الإجمالي للقتلى منذ بدء الغزو وحتى أكتوبر من العام نفسه بما يتجاوز 650 ألف شخص، وإن ظلت هذه التقديرات محل جدل منهجي واسع بين الباحثين. بلغت حدة الاقتتال الطائفي بين المكونين السني والشيعي ذروتها خلال عامي 2006 و2007، ما دفع الإدارة الأمريكية في مطلع 2007 إلى تبني استراتيجية عُرفت بـ”الطفرة” (the surge)، قضت بزيادة مؤقتة في عديد القوات الأمريكية بأكثر من عشرين ألف جندي في محاولة لكبح موجة العنف وإعادة الاستقرار إلى المدن الرئيسية.

ملف أسلحة الدمار الشامل والجدل حول شرعية الحرب

شكّل الادعاء بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل نووية وكيميائية وبيولوجية الحجة المركزية التي استندت إليها إدارتا بوش وبلير لتبرير التحرك العسكري، إلى جانب اتهامات بصلة النظام العراقي بشبكات إرهابية دولية. غير أن عمليات التفتيش اللاحقة التي أجرتها فرق أمريكية وأممية بعد سقوط النظام لم تعثر على مخزونات فعلية لهذه الأسلحة، وهو ما فجّر جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا في الولايات المتحدة وبريطانيا حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي بُنيت عليها قرارات الحرب، وأثار تحقيقات برلمانية وحكومية رسمية استمرت تداعياتها لسنوات لاحقة. وقد ترافق هذا الجدل مع انقسام دولي حاد إزاء شرعية الحرب في غياب تفويض صريح من مجلس الأمن، حيث اعتبرت دول عديدة، من بينها فرنسا وألمانيا وروسيا، أن التحرك الأمريكي البريطاني تجاوز الأطر القانونية الدولية القائمة.

انسحاب القوات الأمريكية وإعلان نهاية المهمة

مع تراجع مستويات العنف تدريجيًا بعد ذروة 2006-2007، بدأت الولايات المتحدة مسارًا تدريجيًا لسحب قواتها القتالية من العراق، ليكتمل انسحاب آخر الوحدات القتالية الأمريكية في أغسطس 2010، فيما بقي عدد محدود من الجنود لتقديم الدعم الأمني والتدريبي لما يقارب عام إضافي، قبل أن تعلن القيادة العسكرية الأمريكية في ديسمبر 2011 انتهاء مهمتها العسكرية في العراق بشكل كامل. وقد خلّف الغزو وسنوات الاحتلال والصراع الطائفي اللاحق أثرًا بنيويًا عميقًا في التركيبة السياسية والاجتماعية العراقية، إذ أعاد رسم موازين القوى بين المكونات الطائفية والعرقية، وأفسح المجال أمام نفوذ إقليمي متنامٍ لجهات فاعلة جديدة، فضلًا عن تمهيده لاحقًا لبيئة سياسية وأمنية هشة استغلتها تنظيمات متطرفة في العقد التالي.

في هذه الساعة، تخوض القوات الأمريكية وقوات التحالف المراحل الأولى من عمليات عسكرية لنزع سلاح العراق، وتحرير شعبه، وحماية العالم من خطر داهم.
— جورج دبليو بوش، خطاب رئاسي مُذاع، 19 مارس 2003