السيرة النبوية هي سجل حياة النبي محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وسلم، مؤسس الدين الإسلامي، منذ مولده في مكة المكرمة عام 570م وحتى وفاته في المدينة المنورة عام 632م. وُلد محمد يتيم الأب في قبيلة قريش وعاش طفولة قاسية فقد فيها أمه وجده قبل أن يكفله عمه أبو طالب، ثم عمل بالتجارة حتى تزوج من خديجة بنت خويلد، ليتلقى في سن الأربعين أولى آيات الوحي في غار حراء، فبدأ دعوته إلى التوحيد وسط معارضة قريش الشديدة التي دفعته وأتباعه إلى الهجرة عام 622م من مكة إلى يثرب التي عُرفت من بعدها بالمدينة المنورة. وهناك أسس أول كيان سياسي إسلامي، وخاض عدة مواجهات عسكرية حاسمة مع قريش، إلى أن تمكن من فتح مكة سلمياً عام 630م، وتُوفي بعد أداء حجة الوداع عام 632م تاركاً وراءه رسالة انتشرت لاحقاً في أرجاء واسعة من العالم. ولأن القرآن الكريم لا يتضمن سوى إشارات متفرقة إلى سيرة النبي الشخصية، فإن أغلب التفاصيل المتعلقة بحياته مستمدة من أدب السيرة الذي دوّنه المؤرخون المسلمون في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، وعلى رأسهم محمد بن إسحاق وابن هشام من بعده.
| بيانات شخصية | |
| الاسم الكامل | محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم |
| تاريخ الميلاد | عام الفيل، نحو 570م |
| مكان الميلاد | مكة المكرمة، شبه الجزيرة العربية |
| القبيلة | قريش، بطن بني هاشم |
| الوالدان | عبدالله بن عبدالمطلب (توفي قبل الولادة)، آمنة بنت وهب |
| الزوجة الأولى | خديجة بنت خويلد |
| محطات الدعوة | |
| بداية الوحي | في سن الأربعين، غار حراء |
| الهجرة إلى المدينة | 622م (السنة الأولى للهجرة) |
| أبرز الغزوات | بدر (624م)، أحد (625م)، الخندق (627م) |
| فتح مكة | 630م |
| حجة الوداع | 632م |
| الوفاة | |
| تاريخ الوفاة | 8 يونيو 632م، المدينة المنورة |
| أهم مصادر السيرة | كتاب المغازي لابن إسحاق، سيرة ابن هشام |
النسب والمولد في مكة
وُلد محمد بن عبدالله في مكة المكرمة عام 570م تقريباً، وهو العام الذي حاول فيه الملك الحبشي أبرهة غزو مكة فرُدّ عن الكعبة بحادثة أشار إليها القرآن الكريم لاحقاً في سورة الفيل. وينتمي النبي إلى قبيلة قريش، أشرف قبائل الحجاز، وتحديداً إلى بطن بني هاشم الذي كان يتولى سقاية الحجيج وشؤون الكعبة، ذلك المعبد القديم الذي أسسه إبراهيم عليه السلام والذي كانت تسوده في ذلك العصر عبادات وثنية متعددة رغم قدسيته التاريخية. وقد سبقت ولادته أزمة عائلية مأساوية، إذ كان جده عبدالمطلب قد نذر ذبح أحد أبنائه، فوقع الاختيار على عبدالله والد النبي، قبل أن يُفتدى بذبح مئة من الإبل بدلاً منه، في رواية تحمل تشابهاً واضحاً مع قصة نبي الله إبراهيم وابنه.
اليتم والكفالة في بيت بني هاشم
توفي عبدالله بن عبدالمطلب قبل أن يُولد ابنه محمد، فنشأ النبي يتيم الأب منذ يومه الأول، تحت رعاية جده عبدالمطلب. وحين بلغ السادسة من عمره، فقد أمه آمنة بنت وهب، وبعد عامين فقد جده أيضاً، فآلت كفالته إلى عمه أبي طالب الذي أصبح سيد بني هاشم من بعد عبدالمطلب. وقد نشأ محمد في كنف عمه محباً للعمل، فرعى الغنم في صباه، ثم رافق أبا طالب في إحدى رحلات التجارة إلى بلاد الشام، حيث تذكر الروايات التقليدية أن راهباً مسيحياً يُدعى بحيرى تفرّس فيه علامات النبوة المرتقبة.
الزواج من خديجة بنت خويلد
حين بلغ محمد الخامسة والعشرين من عمره، استعانت به تاجرة مكية ثرية تُدعى خديجة بنت خويلد للإشراف على قافلة تجارية متجهة إلى الشام، فأعجبت بأمانته وحسن تدبيره حتى عرضت عليه الزواج رغم أنها كانت تكبره بنحو خمسة عشر عاماً. ورزق الزوجان بولدين توفيا في طفولتهما وأربع بنات، أشهرهن فاطمة التي تزوجت لاحقاً من ابن عم النبي علي بن أبي طالب، والتي يعتبرها الشيعة خليفة النبي الشرعي المُوصى به إلهياً من بعده. ولم يتزوج محمد بامرأة أخرى طيلة حياة خديجة التي استمرت زهاء خمسة عشر عاماً، رغم أن تعدد الزوجات كان أمراً شائعاً بين رجال قريش آنذاك، وتوفيت خديجة قبل هجرة النبي إلى المدينة بنحو ثلاث سنوات.
غار حراء وبدء الوحي
اعتاد محمد في سنواته الأخيرة بمكة أن يعتزل الناس للتعبد في أحد الجبال المطلة على المدينة، وهو الجبل الذي عُرف لاحقاً بجبل النور. وفي سن الأربعين، وأثناء إحدى خلواته في غار حراء، ظهر له الملاك جبريل في مشهد مهيب وعلّمه الآيات الأولى من سورة العلق، التي تأمره بالقراءة باسم ربه الذي خلق الإنسان. وقد اضطرب محمد اضطراباً شديداً بعد هذا اللقاء الأول، فطمأنته زوجته خديجة وابن عمها ورقة بن نوفل، وكان الأخير رجلاً مسيحياً مطلعاً على الكتب السابقة، فأكد لمحمد أن ما رآه هو بداية نبوة حقيقية. واستمر الوحي ينزل عليه، غير أنه اقتصر لمدة ثلاث سنوات على الحديث عنه سراً في محيط ضيق من المقربين، قبل أن يُؤمر بالدعوة الجهرية.
الدعوة الجهرية وموقف قريش
حين أُمر محمد بإعلان دعوته علناً، لم يلق في بادئ الأمر معارضة تُذكر، لكن الأمور تغيرت جذرياً حين بدأت آيات القرآن تنكر وجود آلهة أخرى غير الله، فتصادمت الدعوة الجديدة مباشرة مع المعتقدات والممارسات الدينية التي كانت قريش تقوم عليها اقتصادياً واجتماعياً، فنشأ توتر متصاعد بين محمد وحلقته الصغيرة من الأتباع من جهة، وبقية سكان مكة من جهة أخرى. وقد اضطر بعض أتباع محمد إلى الفرار طلباً للأمان نحو الحبشة، حيث لقوا حماية من ملكها المسيحي، بينما فرضت العشائر القرشية الأخرى مقاطعة اقتصادية واجتماعية شاملة على بني هاشم لامتناعهم عن التخلي عن حماية محمد، استمرت سنوات عدة أنهكت أفراد القبيلة قبل أن تُرفع.
الإسراء والمعراج
بعد انتهاء المقاطعة بفترة، وقعت واحدة من أشهر حوادث السيرة النبوية، وهي رحلة الإسراء والمعراج، حين نُقل النبي محمد بحسب الرواية الإسلامية التقليدية بمعجزة إلهية من مكة إلى بيت المقدس، حيث صلى إماماً بإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، ثم عُرج به من هناك إلى السماء حيث فُرضت عليه الصلوات الخمس اليومية التي تُعد من أركان الإسلام الأساسية. وفي نحو عام 619م، توفيت خديجة وتوفي عمه أبو طالب في العام نفسه تقريباً، فآلت زعامة بني هاشم إلى عم آخر للنبي هو أبو لهب، الذي سحب حماية القبيلة عن محمد، فأصبح عرضة للأذى دون رادع، ولم يفلح في كسب حماية بديلة من أهل مدينة الطائف القريبة حين طلبها منهم.
الهجرة إلى المدينة وتأسيس الدولة
بعدما فشلت محاولاته لكسب حماية جديدة، نجح محمد في الحصول على تعهد بالحماية من عدد من أهالي واحة يثرب، المعروفة لاحقاً بالمدينة المنورة، فسمح له ذلك بالهجرة إليها مع أتباعه عام 622م، وهي المدينة التي كانت خلافاً لمكة تضم قبائل يهودية مستقرة. وكان أبو بكر، أول الخلفاء الراشدين لاحقاً، آخر من هاجر مع النبي، وقد نجا الاثنان بأعجوبة من مؤامرة اغتيال دبّرتها قريش بعدما حذّرهما جبريل مسبقاً. وفور استقراره بالمدينة، شيّد محمد بيتاً استُخدم في الوقت نفسه مسجداً لأتباعه، وصاغ وثيقة تُعرف بوثيقة المدينة تجمع المهاجرين من قريش وأنصار يثرب وبعض القبائل اليهودية في كيان سياسي واحد يعترف بمحمد رسولاً وحكماً بين أطرافه. غير أن العلاقة مع القبائل اليهودية تدهورت تدريجياً، وبعد نحو ثمانية عشر شهراً من الهجرة، جاء أمر بتحويل القبلة في الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة بمكة.
الغزوات الكبرى مع قريش
مع تدهور العلاقة بين مسلمي المدينة وقريش، بدأ المسلمون يعترضون قوافل قريش التجارية، وحين فوجئوا في إحدى هذه الغارات بقوة قرشية جاءت لنجدة القافلة عند موضع بدر عام 624م، حقق المسلمون رغم قلة عددهم انتصاراً مفاجئاً حاسماً. وردّاً على هذه الهزيمة، حاولت قريش اقتحام المدينة مرتين، الأولى في معركة أحد عام 625م والثانية فيما عُرف بغزوة الخندق عام 627م، لكن كلتا المحاولتين باءتا بالفشل في النهاية. وعقب كل من هذه المواجهات العسكرية الثلاث الكبرى، تمكن محمد وأتباعه من إخراج إحدى القبائل اليهودية الثلاث الرئيسية من المدينة، وفي حالة آخر هذه القبائل، بني قريظة، أُعدم جميع الرجال البالغين وسُبيت النساء والأطفال عقاباً على ما اعتُبر تعاوناً مع قريش أثناء حصار الخندق.
صلح الحديبية وفتح خيبر
في عام 628م، أقدم محمد على خطوة جريئة بالتوجه لأداء العمرة في مكة على رأس جمع من أتباعه، فتصدت له قريش عند منطقة الحديبية على أطراف الحرم المكي، وانتهى الأمر بتوقيع معاهدة صلح تقضي بوقف الأعمال العدائية بين الطرفين والسماح للمسلمين بأداء العمرة في العام التالي. وبعد شهرين من هذا الصلح، قاد محمد قواته لمهاجمة واحة خيبر اليهودية شمال المدينة، فاستسلمت بعد حصار على أن يبقى سكانها اليهود مقابل تسليم نصف محصول التمر سنوياً إلى المدينة. وفي العام التالي أدى محمد وأتباعه العمرة وفق ما نص عليه صلح الحديبية، غير أن هجوماً شنّه حلفاء قريش على حلفاء محمد دفعه لاحقاً إلى إعلان نقض المعاهدة.
فتح مكة
عقب نقض صلح الحديبية، زحف محمد بجيش كبير نحو مكة عام 630م، فاستسلمت المدينة دون قتال يُذكر وأعلن محمد عفواً عاماً عن أهلها رغم سنوات العداء الطويلة التي سبقت ذلك، في خطوة اعتُبرت لاحقاً نموذجاً للتسامح السياسي عند فتح المدن. وبعد عودته إلى المدينة، توافدت على محمد وفود من مختلف قبائل شبه الجزيرة العربية معلنة ولاءها للكيان الإسلامي الناشئ، وفي العام نفسه قاد محمد حملة نحو الحدود الشامية بلغت مدينة تبوك، حيث حصل على تسليم عدد من البلدات هناك دون قتال.
حجة الوداع ووفاة النبي
في عام 632م، قاد محمد بنفسه فريضة الحج إلى مكة فيما عُرف بحجة الوداع، والتي أصبحت النموذج المتّبع في مناسك الحج الإسلامي حتى اليوم. وبعد عودته إلى المدينة بفترة قصيرة، توفي النبي محمد في الثامن من يونيو عام 632م، ولم يترك وصية واضحة بشأن من يخلفه في قيادة المجتمع الذي أسسه، وهو ما فتح الباب أمام خلاف كبير حول الخلافة انتهى ببيعة صحابيه أبي بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين من بعده. ولأن مصادر السيرة النبوية اللاحقة، وأبرزها كتاب المغازي لمحمد بن إسحاق المتوفى نحو عام 767م وتهذيب ابن هشام له المعروف بسيرة ابن هشام، دُوّنت بعد وفاة النبي بعقود، فقد ظلت بعض تفاصيلها موضع نقاش علمي بين الباحثين الذين حاولوا عبر مقارنة الروايات المختلفة استخلاص العناصر المشتركة التي كانت متداولة منذ أواخر القرن السابع الميلادي، والتي أكدت بعض تفاصيلها الأولية مصادر غير إسلامية معاصرة أيضاً.